Tuesday, October 16, 2007

البيئة الصحافية في ألمانيا

قدر لي هذه الأيام أن أزور عددا من المؤسسات الإعلامية المهمة في ألمانيا ابتداء بوكالة الأنباء الألمانية مرورا بمجلة ديرشبيغل ومحطة دويتشه فيله و انتهاء بالتلفزيون الألماني ار دي ال إضافة إلى عدد من الصحف والدوريات الأخرى
الحقيقة إن هذه الزيارات تقع ضمن برنامج تدريبي متخصص لكني هنا سأحاول إيصال انطباعي الشخصي عن هذه المؤسسات بعيدا عن فكرة التدريب ومحتواه كنت خلال هذه الجولات أبحث عن فروق التميز بين المؤسسات الغربية في مجال الإعلام والمؤسسات العربية على مستوى الفرد، ذلك لأني كنت أدرك قبل مجيئي أن العمل المؤسساتي يفرض تفوقا ملحوظا لصالح مؤسسات الإعلام الغربية بشكل خاص وكافة المؤسسات في مختلف المجالات بشكل عام


ولكي أتجاوز إشكالاً منهجيا يتعلق بعبث البحث في دور الفرد بمعزل عن المؤسسة او تأثيرها أو أطرها العامة التي تحكم سلوكه وإنتاجه، فإنني أقول أن ملاحظاتي أخذت ذلك في الاعتبار وحاولت التعمق أكثر في ما يميز الفرد الغربي في المؤسسة الإعلامية بمعزل عن لوائح المؤسسة مع التأكيد أني لا أقصد التعميم فلكل قاعدة شواذ


بداية لفت انتباهي أن الصحافي هناك في حالة تعلم دائمة ،وهذا يظهر جليا من خلال تعامله مع الأحداث والأخبار اليومية،فهو لا يكتفي أبدا بما يعرف بل يباشر قضاياه بكثير من الدهشة والرغبة في المعرفة،يسأل ويناقش ويبحث بدءا من المعلومات الأساسية وانتهاء بكيفية نطق الأسماء والأماكن ثم يصنع بعد ذلك أرشيفه الخاص الذي يتحول إلى مرجع غني حول الموضوع ، هذا الأمر ليس موجودا بهذا القدر من الكثافة في عالمنا العربي فالصحافي لدينا يستحضر أستاذيته ومعرفته وما يتذكر وما لايتذكر أثناء مباشرة الخبر،وهذا سبب الخلط الدائم بين الحقائق والآراء في تناول المواضيع من الزاوية ا لعربية

الأمر الآخر الملفت أيضا أن الصحافيين في الغرب لايتعارض لديهم مفهوم الإبداع مع مفهوم الالتزام فبكل بساطة يستطيع الصحافي ان يقدم عملا إبداعياً ملتزما بأصول المهنة في الوقت المحدد وبمنتهى الجدية والدقة التي يطلبها المدير ويتوقعها أو ينشدها المتلقي فيما نجد أن التراخي والاستسهال سمة غالبة على معظم مبدعي الشرق من الصحافيين ، فما أن يبرز اسم لصحافي حتى يتعامل بلا مبالاة مع المتلقين مكتفيا باسمه الذي سيشفع له هفواته حتماً


كذلك وجدت أن الصحفيين في أوروبا هم صحفيون متخصصون فندرة هم الصحفيون الذين يعرفون كل شيء ويستطيعون الكتابة في كل شيء بدءا من أسعار الخضار المرتفعة إلى أزياء الصيف القادم وانتهاء بآخر التطورات فيما يخص ملف إيران النووي


هذه الملاحظات وغيرها لاشك هي نتيجة سلوك مؤصل في العقلية الغربية فرضته الأسس السليمة لتقييم الأفراد وترقيتهم إضافة إلى الوعي الكبير لدى شريحة المتلقين الذي يستوجب قدرا مماثلا من البذل والعطاء لضمان النتيجة الأفضل ،كما أن انتفاء النمطية والبحث دائما عن الأفكار الإبداعية وسط أجواء حرة ومحفزة يظل أحد أهم العوامل وراء هذا التفوق والتفرد الغربي في مجال الإعلام

أعتذر إليكم ..فجملتي الأخيرة خرقت مقدمتي التي حاولت البحث في تميز الفرد بمعزل عن العمل المؤسساتي ذلك لأني صرت الآن اتساءل: ماذا لو أتيح لنا هذا القدر من التحفيز والأجواء الحرة؟
اترك الإجابة لكم